علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

22

الصداقة والصديق

حتى إنّا نلتقي كثيرا في الإرادات والاختيارات والشهوات والطلبات ، وربما تزاورنا فيحدثني بأشياء جرت له بعد افتراقنا من قبل فأجدها شبيهة بأمور حدثت لي في ذلك الأوان حتى كأنها قسائم بيني وبينه ، أو كأني هو فيها أو هو أنا ، وربما حدّثته برؤيا فيحدثني بأختها فنراها في ذلك الوقت أو قبله بقليل ، أو بعده بقليل » . وقلت لأبي سليمان كيف يصحّ هذا وأنت مطالبك في الفلسفة وصورك مأخوذة من الحكمة ، وجعبتك مجموعة من الحقائق ، وخوضك في الغوامض والدقائق ، وذاك رجل في عداد القضاة ، وجلّة الحكام ، وأصحاب القلانس ، ومخاضه الظاهر الذي عليه الجمهور ، ومأخذه مما عليه السّواد الأعظم ؟ قلت : هذا واللّه طريف ، ومما يزيد في طرافته أنك من سجستان وهو من الصّيمرة ، فقال : « الأمكنة في الفلك أشدّ تضاما من الخاتم في إصبعك ، وليس هناك هذا البعد الذي نجده بالمسافة من بلد إلى بلد بفراسخ تقطع ، وجبال تعلى ، وبحار تخرق » . فقلت : هل تجد عليه في شيء أو يجد عليك في شيء ؟ فقال : وجدي به في الأول قد حجبني عن موجدتي عليه في الثاني ، على أنه يكتفي مني فيما خلف هواي باللمحة الضئيلة ، وأكتفي أنا منه في مثل ذلك بالإشارة القليلة ، وربما تعاتبنا في حال تعرض على طريق الكتابة عن غيرنا كأننا نتحدث عن قوم آخرين ، ويكون لنا في ذلك مقنع ، وإليه مفزع ، وقلّ ما نجتمع إلّا ويحدثني عني بأسرار ما سافرت عن ضميري إلى شفتي ، ولا ندّت عن صدري إلى لفظي ، وذاك للصفاء الذي نتقاسمه ، والباطن الذي نتفق عليه ، والظاهر الذي نرجع إليه ، والأصل الذي رسوخنا فيه ، والفرع الذي تشبثنا به ، واللّه ما يسرني بصداقته حمر النعم